محمد بن جرير الطبري
185
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
كادوا يفعلون ) . قال : ولو أن القوم حين أمروا أن يذبحوا بقرة ، استعرضوا بقرة من البقر فذبحوها ، ( 1 ) لكانت إياها ، ولكنهم شددوا على أنفسهم ، فشدد الله عليهم . ولولا أن القوم استثنوا فقالوا : ( وإنا إن شاء الله لمهتدون ) ، لما هدوا إليها أبدا . فبلغنا أنهم لم يجدوا البقرة التي نعتت لهم ، إلا عند عجوز عندها يتامى ، وهي القيمة عليهم . فلما علمت أنهم لا يزكو لهم غيرها ، ( 2 ) أضعفت عليهم الثمن . فأتوا موسى فأخبروه أنهم لم يجدوا هذا النعت إلا عند فلانة ، وأنها سألتهم أضعاف ثمنها . فقال لهم موسى : إن الله قد كان خفف عليكم ، فشددتم على أنفسكم ، فأعطوها رضاها وحكمها . ففعلوا ، واشتروها فذبحوها . فأمرهم موسى أن يأخذوا عظما منها فيضربوا به القتيل . ففعلوا ، فرجع إليه روحه ، فسمى لهم قاتله ، ثم عاد ميتا كما كان . فأخذوا قاتله - وهو الذي كان أتى موسى فشكى إليه ، - فقتله الله على أسوء عمله . 1174 - حدثني موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : ( وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة ) . قال : كان رجل من بني إسرائيل مكثرا من المال ، وكانت له ابنة ، وكان له ابن أخ محتاج . فخطب إليه ابن أخيه ابنته ، فأبي أن يزوجه إياها ، فغضب الفتى وقال : والله لأقتلن عمي ، ولآخذن ماله ، ولأنكحن ابنته ، ولآكلن ديته ! فأتاه الفتى ، وقد قدم تجار في أسباط بني إسرائيل ، فقال : يا عم ، انطلق معي فخذ لي من تجارة هؤلاء القوم ، لعلي أصيب منها ، ( 3 ) فإنهم إذا رأوك معي أعطوني . فخرج العم مع الفتى ليلا فلما بلغ الشيخ ذلك السبط ، قتله الفتى ، ثم رجع إلى أهله .
--> ( 1 ) استعرضوا : أخذوا من عرض البقر ( بضم العين وسكون الراء ) فلم يبالوا أيها أخذوا . والعرض : الوجه والناحية ، أي ما يعرض لك من الشيء . ( 2 ) تقول : " هذا الأمر لا يزكو بفلان " أي لا يليق به ولا يصلح له . فقوله : " لا يزكو لهم غيرها " أي لا يصلح لهم غيرها ولا ينفع فيما أمرهم الله به . ( 3 ) في المطبوعة : " أصيب فيها " ، وهو خطأ ، والصواب من تفسير ابن كثير 1 : 200 . أصاب الإنسان من المال وغيره : تناول وأخذ . ويريد أصيب منها ربحا .